"إنّ عبادة الله هي المقصودة، والاستعانة به وسيلة إليها"

احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز

 الإثنين 20 حزيران 2011 9:54 مساءً
شارك           


 
احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز

هذه قاعدة من القواعد النبوية المحكمة التي دلّ عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (1).

وهي قاعدة نبوية جليلة الفائدة، عظيمة المعاني، انطوت على "كلامٍ جامعٍ نافع، مُحتوٍ على سعادة الدنيا والآخرة.

فالأمور النافعة قسمان: أمور دينية، وأمور دنيوية، والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية؛ فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد في الأمور النافعة منهما، مع الاستعانة بالله تعالى، فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها، وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها وتكميلها؛ كان ذلك كماله، وعنوان فلاحه، ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة؛ فاته من الخير بحسبها، فمن لم يكن حريصاً على الأمور النافعة، بل كان كسلاناً؛ لم يدرك شيئاً، فالكسل هو أصل الخيبة والفشل، فالكسلان لا يدرك خيراً، ولا ينال مكرمة، ولا يحظى بدين ولا دنيا، ومتى كان حريصاً، ولكن على غير الأمور النافعة - إما على أمور ضارة، أو مفوّتة للكمال - كان ثمرة حرصه الخيبة، وفوات الخير، وحصول الشر والضرر، فكم من حريص على سلوك طرقٍ وأحوالٍ غيرَ نافعة لم يستفد مِن حرصه إلا التعبَ والعناءَ والشقاءَ.

ثم إذا سلك العبدُ الطرقَ النافعة، وحرص عليها، واجتهد فيها؛ لم تتم له إلا بصدق اللجوء إلى الله، والاستعانة به على إدراكها وتكميلها، وأن لا يتكل على نفسه وحَوْله وقوته، بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه؛ فبذلك تهون عليه المصاعب، وتتيسر له الأحوال، وتتمّ له النتائج والثمرات الطيّبة في أمر الدين وأمر الدنيا، لكنّه في هذه الأحوال محتاج - بل مضطر غاية الاضطرار - إلى معرفة الأمور التي ينبغي الحرص عليها، والجد في طلبها.

فالأمور النافعة في الدين ترجع إلى أمرين: علم نافع، وعمل صالح" (2).

أيها الإخوة الأكارم:

لقد كانت هذه القاعدة الجليلة: (احرص على ما ينفعك ولا تعجز...) وصية أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه رضي الله عنهم؛ يقول ابن القيم رحمه الله: "فأمره بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبب، ونهاه عن العجز، وهو نوعان: تقصير في الأسباب، وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها، فالدين كله - ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه - تحت هذه الكلمات النبوية، والله أعلم"(3).

"وقال الشافعي - رحمه الله تعالى-: احرص على ما ينفعك، ودع كلام الناس؛ فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة.

ومثله قول مالك بن دينار: من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه" (4).

"وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" أمرٌ بالتسبب المأمور به؛ وهو الحرص على المنافع، وأمرٌ مع  ذلك بالتوكل - وهو الاستعانة بالله - فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين، ونهى عن العجز الذي هو ضد الكَيس، وكما في الأثر: "الكيّس: من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز: من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله" فالعاجز في الحديث مقابل الكيّس، فمن فعل ما أمر به من التزود؛ فاستعان به على طاعة الله وأحسن منه إلى من يكون محتاجاً؛ كان مطيعاً لله في هذين الأمرين" (5).

قال ابن كثير - رحمه الله تعالى-: "إنّ عبادة الله هي المقصودة، والاستعانة به وسيلة إليها، وجميع الخلق وإن كانوا ألفَ ألفٍ يحتاجون إليه، ويفتقرون إليه" (6).

قال ابن رجب - رحمه الله تعالى-: "ومن ترَكَ الاستعانة بالله، واستعان بغيره؛ وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولاً، وكتب الحسنُ إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيَكِلُك الله إليه، ومن كلام بعض السلف: يا رب! عجبتُ لمن يعرفك كيف يرجو غيرك! وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك!" (7).

"وكل مَا يستعان بِهِ على الطَّاعَة فَهُوَ طَاعَة وَإِن كَانَ من جنس الْمُبَاح؛ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح لسعد: "إِنَّك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله إِلَّا ازددت بهَا دَرَجَة ورفعة، حَتَّى اللُّقْمَة تضعها فِي فِي امْرَأَتك" (8).

أيها المؤمن الموفق:

لقد قيل: إن أصدق كلمة قيلت بعد القرآن والسنة هي كلمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "قيمة كل امرء ما يحسنه"، وهذه الكلمة إنما هي تجلي معنى العبارة الأولى من هذه القاعدة النبوية وهي: "احرص على ما ينفعك" فاحرص على أن يكون هذا الذي تحسنه هو مما ينفعك في الدنيا والآخرة، وإياك أن تجعل قيمتك تافهة ساقطة؛ فلا تجعل قيمتك فيما لا تطمع أن تراه في صحيفة حسناتك من اللهو والعبث المحرم.

وكم هو جميل، قبل أن تُقدم على تسنّمِ أمرٍ أن تحرص على شيء مهمٍ أرشدك إليه نبيك عليه الصلاة والسلام في هذه القاعدة؛ وهو:"ما ينفعك" فسل نفسك: هل هذا العمل ينفعني في الدنيا والآخرة، وليس فيه عليّ ضرر؟ فإن كان كذلك فأقدِم، لكن هل تستطيع أن تُقدم عليه وحدك؟ قد تسقط في حفرة ما! قد يؤذيك قطَّاع الطرق! قد تعرض لك عوارض من حيث لا تحتسب! فما الحيلة؟ عليك بالشطر الثاني من هذه القاعدة النبوية العظيمة:"واستعن بالله ولا تعجز" إنك إن استعنت بالله فلن تعجز بإذن الله، ومن توكل على الله فهو حسبه. 

ومن أعظم ما يعين على اختيار النافع من الأعمال والأقوال والمشاريع:

1 - العلم؛ فإنه يهدي إلى الفرقان بين الأمور النافعة والضارة، وبين النافع والأنفع، وأصل هذا العلم: علم الشريعة، وما يعين عليه من علوم دنيوية تتصل بالأمر الذي سيقدم عليه الإنسان، امتثالاً لقوله تعالى:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"[الأنبياء: 7].

2- الاستشارة؛ فكم من رأي يبدو للإنسان سدادُه، ثم بعد الاستشارة يتبين له خلاف ذلك! ولهذا كان من حكمة الله تعالى أن يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستشارة مع أنه نبي يوحى إليه! ليقتدي به من بعده من الأئمة فضلاً عن عامة الناس، وقد قيل: ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار.

وتشتد الحاجة إلى الاستشارة كلما عظم شأن الأمر الذي يُقدم عليه الإنسان، كزواجٍ، أو مشروع علمي أو تجاري كبير.

3- أن يعلم العبد أن ما ينفع لفلانٍ من الناس فقد لا ينفع لك؛ فالنفوس ليست واحدة، والمواهب والملكات ليست سواء بين الناس، والقدرات والإمكانات ليست على نسقٍ واحد، فرب عملٍ يُنصح به زيد ولا ينصح به عبيد، والعكس صحيح.

ولهذا كان من حكمة الله تعالى أن نوّع بين العبادات في الشريعة؛ لأن من الناس من ينشط للصلاة ولا ينشط للصيام، وآخر ينشط لقيام الليل ما لا ينشط لكثرة قراءة القرآن، وفي هذا القصة المشهورة التي وقعت للإمام مالكٍ - رحمه الله - حين كتب إليه عبد الله العمري العابد يحضه على الانفراد والعمل! فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجلٍ فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنتَ فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خيرٍ وبِرّ (9).

وفي باب طلب العلم، قد يُنصح إنسان بالتفرغ لطلب العلم، وآخر ينصح بأن يتفرغ للإغاثة والعمل الخيري؛ لأنه ليس من أحلاس العلم، وليس ممن خلق له.

وفي أمور الدنيا، قد تصلح التجارة الفلانية لشخصٍ ولا تصلح لآخر وهكذا، أو في التخصص العلمي الدقيق، فقد يناسب أن يدرس إنسانٌ الطب، وآخر يكون علم الحاسب أنسب له: "قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ"[البقرة: 60].

اللهم دلنا على ما ينفعنا وأعنا عليه، اللهم إنا نبرأ إليك من حولنا وقوتنا؛ فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحدٍ من خلقك
 


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

الأسم: * البريد الإلكتروني:
تعليق: *
رمز الحماية: *  

* الخانات الضرورية.
 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development