في ذكرى المجزرة.. لا نريد عقاباً جماعياً

 الجمعة 11 نيسان 2008 3:19 مساءً
شارك         

المصدر: صحيفة فلسطين


د. زكريا إبراهيم السنوار

تذكر وسائل الإعلام هذه الأيام على لسان وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني، أن حكومتها تدرس الوسائل التي يمكن اتباعها لوقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، بعد العملية المميزة المشتركة التي نفذتها سرايا القدس وألوية الناصر صلاح الدين ضد موقع عسكري في عسقلان وتقول لينفي: إن حكومتها ستقوم برد لا يكون فيه عقاب جماعي لأهالي القطاع.
يسمع المرء ذلك فيحق له أن يسخر من الاستهتار بعقول البشر، وكأن (إسرائيل) تراعي حقوق الإنسان، أو أنها لا تقوم بعقاب جماعي في حصارها الظالم على شعبنا الفلسطيني.
سمعت ذلك، فتذكرت ما قامت به حكومتها في مثل هذه الأيام ضد أبناء شعبنا قبل ربع قرن من الزمان، وتحديداً في الفترة 16-18/9/1982م، من مجزرة مروعة في مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان، فقلت: يحق لليفني أن تبكي أو تتباكى على حقوق الإنسان، وغيرتها على البعد عن سياسة العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني.
في 15 أيلول (سبتمبر) كانت القوات الإسرائيلية تنهي احتلالها لمدينة بيروت، وفي صبيحة اليوم التالي 16/9 تم احتلال أطراف المدينة، وإحكام السيطرة على المنافذ الاستراتيجية لمخيمي صبرا وشاتيلا لللاجئين الفلسطينيين، فاجتمعت القيادة العسكرية الإسرائيلية مع قيادة ميليشيات الكتائب المسيحية اللبنانية المتحالفة معها، ومثل الكتائب كل من فادي أفرام وإلياس حبيقة، وأبديا استعدادهما لاقتحام المخيمين واحتلالهما، وفق الخطة التي عرضها قائد القوات الإسرائيلية عاموس يارون، وبعد الاجتماع أبلغ يارون آرئيل شارون عن استعداد الكتائب لتنفيذ العملية، وتطهير المخيمين من سكانهما.
سمح الجيش الإسرائيلي لدخول الدفعة الأولى من الكتائب وكان تعدادها (150) كتائبياً، ودخلت مخيم شاتيلا الساعة السادسة مساءً وبدأت المذابح مع حلول الظلام في الحي المقابل للقيادة الإسرائيلية.
وذكر شهود العيان لاحقاً أن القوات التي ارتكبت المجزرة في مخيم شاتيلا هي مليشيات النمور التابعة للرئيس الأسبق كميل شمعون، ومجموعة حراس الأرز التابعة لإيتان صقر، ورجال الرائد سعد حداد من الجنوب اللبناني.
استمرت المذابح في المخيمين حوالي أربعين ساعة دون انقطاع وكان الإسرائيليون يراقبون العمليات من سطح الطابق السابع من مبنى لا يبعد أكثر من مائتي متر، وكان المخيمان محاطين بوحدات من المظليين الإسرائيليين والدبابات الإسرائيلية، كما كان يوجد عند تقاطع السفارة الكويتية الكتيبة (501) التابعة للجيش اللبناني.
خلال الساعات الأولى من مذبحة صبرا وشاتيلا قتل مئات النساء والأطفال والشيوخ، وهم في بيوتهم، وتم التمثيل بالجثث، فهشموا رؤوس الأطفال، وقطعوا أطراف الضحايا، واغتصبت النساء والفتيات القاصرات، واستخدم المعتدون البلطات والسكاكين في القتل، إلى جانب الطلقات النارية.
وقتل الإسرائيليون وفداً من كبار السن من أهالي مخيم شاتيلا عندما توجهوا للقيادة الإسرائيلية قرب السفارة الكويتية، ليبينوا أن المخيم خال من المسلحين، ولكي تستمر المذابح في المخيمين، رغم انقطاع التيار الكهربائي، كان الجيش الإسرائيلي يطلق القنابل المضيئة في سماء المنطقة، لتتواصل العملية كما هو مخطط لها.
وفي يوم الجمعة 17 أيلول (سبتمبر) تواصلت المذابح، وأجبر الجنود الإسرائيليون كل من حاول الهرب من المخيم، العودة إليه، ودخلت في ذلك اليوم قوات جديدة من الكتائب المسيحية إلى المخيمين، لتزيد من حجم المذابح.
مع تزايد الضجة الإعلامية عن المجزرة التي ترتكب في مخيمي صبرا وشاتيلا تحرك رفائيل إيتان إلى بيروت، والتقى مع عاموس يارون، وعدداً من قادة الكتائب المسيحية، وعرضوا عليه ما جرى ويجري، وأفاد الجنرال يارون أمام لجنة التحقيق أن إيتان هنأ الكتائبيين على عملياتهم، وأن الكتائبيين أبلغوه أنهم يطهرون المخيمين، وأنهم رجوا القوات الإسرائيلية أن تمنحهم بعض الوقت لإتمام عملية التطهير.
تمكن مصور تلفزيون دانماركي، من تصوير الميليشيات المسيحية، وهي تنقل بالشاحنات رجالاً ونساءً وأطفالاً إلى جهة مجهولة، كما دخل بعض المسلحين إلى مستشفى عكا وقتلوا عدداً من المرضى والجرحى وهم على أسرة المرض، كما قتلوا بعض موظفي المستشفى، واغتصبوا بعض الممرضات، ودفن الكتائبيون مئات الجثث في حفر جماعية، أمام مرأى الجيش الإسرائيلي وصرح القائم بالأعمال النرويجي أنه رأى مقدمة إحدى الجرافات مليئة بالجثث وكانت رائحة الموت والجثث تنبعث من كل مكان.
وكان الكتائبيون يرتدون الخوذ والملابس العسكرية الإسرائيلية، ويمتلكون عتاداً إسرائيليا، وكان الإسرائيليون يمنعون الصحفيين من الدخول للمخيمين واستمرت المجازر حتى يوم السبت 18/9/1982م وفي العاشرة صباحاً ساد سكون رهيب، وانعدمت مظاهر الحركة والحياة، وخرج المجرمون من المخيمين، فوصلت طلائع الجيش اللبناني، وأغلقت المخيمين فوراً، واختلقت الروايات حول أعداد الجثث التي تم العثور عليها من الضحايا، لكن إذا تم تجميع أعداد الجهات التي شاركت في البحث يصل عدد الضحايا إلى (3000 – 3500) شهيداً، ذبحوا خلال أربعين ساعة في أيام الخميس والجمعة والسبت (16-18/9/1982م).
ثم تقول تسيفي ليفني: إنها تدرس مع (حكومتها) وسائل لا تنطوي على عقاب جماعي.

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development