ثورة النبي موسى

 الجمعة 11 نيسان 2008 3:08 مساءً
شارك         

المصدر: صحيفة فلسطين


ناهض منير الريس

أظن أن من المهام والواجبات الأساسية للمثقفين قيامهم بمراجعة التاريخ بغية استنباط الدروس وأخذ العبر منه . فالإنسان ـ كما توصل العلماء في محاولاتهم تعريفهم إياه ـ ليس مجرد حيوان ناطق كما قال البعض في البداية ، ولا هو حيوان ضاحك كما ذهب آخرون ، ولكن ما يميزه حقا بعد هذا كله أنه ( حيوان له تاريخ ) أي أنه يستفيد من التجارب التي يراكمها ويحللها ويتصرف انطلاقا من خبراتها . وليس ذلك وحسب ، ولكنه يورثها خلفاءه . فإذا لم يتميز الإنسان بذلك ظل في مرتبة حيوانية .
وفي تصفح المرء تاريخ الثورات في فلسطين ، يعجب لقدرة الشعب العربي الفلسطيني على العطاء ومدى حيويته الفذة ومغالبته الصعاب الكأداء .
وأسمع نفرا منا يعلقون على الحالة المتردية التي بلغناها في مرحلة الحصار والتجويع والترويع والتفلت الأمني الراهن ، فيتهمون شعبهم بالصفات السيئة ، ويجعلونها لصيقة به راجعة إلى عيب يكاد يكون وراثيا فيه . وقد يتطاول البعض على التاريخ العظيم للأمة فيفسره تفسيرا منحطا من وحي المستشرقين . وقد نقع جميعا في المقارنات السطحية بين المجتمعات المتقدمة وبين مجتمعاتنا الغارقة في مشكلاتها ، فتصبح لدينا عادة هجاء الذات والتشكيك في التراث الجيد !
ولكن التجربة الناضجة تدل على أن الحكم على شعبنا ـ والشعوب عامة ـ يجب أن لا يتم بناء على لحظة معينة كاللحظة الراهنة ، بل بناء على حصيلة قرن أو نصف قرن من الزمان . ويجب أن لا يتم بناء على أفعال شريحة واحدة من شرائح المجتمع بل بناء على أفعال وتصرفات سائر الشرائح ، أي الشعب بمجموعه . فما الذي نخرج به من تطبيق هذه الفكرة على تاريخ الشعب العربي الفلسطيني ؟
لا شك أننا نتوصل بلا عناء إلى أن الفلسطينيين بذلوا طوال السنين المائة الماضية ما لم يبذله شعب آخر من تضحيات ، وقاموا بما لم يقم به شعب آخر من ثورات .  
لنأخذ مثلا : من المعروف أن فصل الربيع في فلسطين كان دائما موسما للبطولة والدم والاستشهاد . وفي ربيع عام 1920 أي في مثل هذه الفترة قبل سبعة وثمانين عاما قام أهالي فلسطين بما يعرف بثورة النبي موسى أثناء مناسبة موسم النبي موسى يوم الرابع من نيسان إبريل ، (وهي من بين المناسبات التي شرعها صلاح الدين الأيوبي بغرض تعبئة جموع فلسطينية في أنحاء مختلفة من البلاد في البرهة التي سمحت اتفاقية الصلح مع الصليبيين بقدومهم إلى فلسطين بغرض الحج فقط ، لئلا يؤخذ المسلمون على غرة ) وسبب ثورة النبي موسى المباشر محاولة مستوطن يهودي حاقد تمزيق وإحراق العلم الفلسطيني ، فقام أحد المتظاهرين بقتله . ومن بين أسبابها الإضافية :
 التصريحات الاستفزازية التي أطلقها أعضاء اللجنة الصهيونية بقيادة حاييم فايتسمان ضد العرب أهل البلاد .
وإقدام البريطانيين على منع عقد المؤتمر الفلسطيني الثاني .
 أما الخلفية السياسية لهذه الأحداث الدامية : وملخص أحداثها فهي كالتالي : ترتب على التصرفات الاستفزازية التي بدرت من العصابات الصهيونية في القدس أن انتشرت أعمال الغضب من مدينة القدس إلى جميع أنحاء البلاد .وقد سقط برصاص الجنود البريطانيين وحلفائهم من العصابات الصهيونية التي شكلها الزعيم الصهيوني المتطرف فلاديمير جابوتنسكي ( أبو الليكوديين جميعا ) أربعة شهداء ومائة واثنان وعشرون جريحا .
 
وفي المقابل قتلت الجماهير الغاضبة تسعة مستوطنين صهيونيين وأصابت أكثر من مائة جريح . وعلى أثر تلك الحوادث أقالت حكومة الانتداب الزعيم الوطني الكبير موسى كاظم باشا الحسيني من رئاسة بلدية القدس . وأوفدت الحكومة البريطانية من لندن لجنة بالين وهي أول لجنة تحقيق بريطانية اعترفت في تقريرها أن 90 % من العرب أهل البلاد يشعرون بالغبن وخيبة الأمل والقلق على مستقبل بلادهم ويكنون لحكومة الانتداب الكراهية المريرة بسبب سياستها التآمرية ضدهم.

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development