بلفور.. ورايس

 الجمعة 11 نيسان 2008 2:30 مساءً
شارك         

المصدر: صحيفة فلسطين


قبل تسعين سنة من الآن، أصدر وزير الخارجية البريطانية تصريحاً عرف باسمه (تصريح بلفور)، منحت فيه حكومة جلالة الملك اليهود وطناً (قومياً) لهم في فلسطين، وقد اشتمل هذا التصريح على أربعة بنود هي:
1)  إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
2)  تسعى بريطانيا لتسهيل مهمة إقامة ذلك الوطن، والإسراع في تحقيقه.
3)  عدم المساس بالحقوق (الدينية والمدنية) "للطوائف" غير اليهودية المقيمة حالياً في فلسطين.
4) الحفاظ على الحقوق ( السياسية ) لليهود في باقي بلدان العالم.
لقد حمل هذا التصريح المشؤوم انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان الفلسطيني، ويمكن أن يسجل بحقه ما يلي:
1.  صدر هذا التصريح في تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، في الوقت الذي كانت فلسطين لا تزال تحت الحكم التركي، ومع ذلك تصرفت بريطانيا فيها.
2.  بلفور كوزير خارجية أصدر هذا التصريح موجهاً إلى اللورد اليهودي الثري روتشيلد، وهذا يتعارض مع صفته الاعتبارية، ففي الأعراف الدولية يخاطب وزير الخارجية نظرائه في الدول، ولا يخاطب أغنياء أو فقراء، وهذه مخالفة.
3.  أعلن بلفور في تصريحه عن رغبة حكومة جلالة الملك البريطاني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهذا ما كان يطمح إليه الصهاينة منذ سنوات طويلة، لكن المفكرين والمحللين والساسة انقسموا إلى قسمين بهذا الخصوص، فرأى فريق أن بريطانيا حريصة على إنجاح المشروع الصهيوني فأصدرت هذا التصريح، بينما رأى فريق آخر أن بريطانيا لم تكن حريصة على الصهيونية، بل كانت مهتمة بمصالحها الخاصة، وأنها اتخذت الصهيونية ستاراً لضمان سيطرتها وهيمنتها على فلسطين، فالهدف ليس إقامة وطن قومي لليهود، بل ضمان استمرار الاحتلال البريطاني لفلسطين –لما لها من أهمية دينية وتاريخية واستراتيجية- وإبعاد أي منافسة أوروبية لبريطانيا حول احتلالها، وهذا ما تنبهت له بعض المنظمات الصهيونية لاحقاً، فقد أعلنت منظمة (إيشل) التي تعرف باسم (الأرغون) أن العدو الأول للصهاينة هي بريطانيا، لأنها تحول دون إقامة وطن قومي لليهود في (أرض الآباء والأجداد) –حسب زعمهم- وتمنع اليهود من الهجرة إلى فلسطين هرباً من أعمال الإبادة التي تمارس ضدهم في أوروبا.
4.  حمل التصريح دعماً بريطانياً لتحقيق الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فالأمر لا يقتصر على إصدار تعهدات، بل يتضمن مساعي بريطانية لتحقيق هذا الأمر على أرض الواقع، وهذا ما يعني الانحياز البريطاني لصالح الصهيونية عملياً، الأمر الذي يؤدي إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في فلسطين.
5.  تباكي بلفور في تصريحه على أهل فلسطين، ويا ليته ما فعل، فقد وصف أهل فلسطين الذين كانوا يمثلون في ذلك الوقت 95% من مجموع السكان، بينما كان الصهاينة يمثلون 4%، وكان الأجانب 1%، ومع ذلك وصف بلفور أهل فلسطين بأنهم "الطوائف غير اليهودية المقيمة حالياً في فلسطين" فهم أقليات، بقيمة (حالياً) أما الصهاينة فيشي النص بأنهم أغلبية.
هذه الطوائف (الأقليات) ضمن لها بلفور الحقوق (الدينية والمدنية)، فمن حقها العيش والعبادة، لكن ليس من حقها العمل السياسي أو المطالبة بالحرية والاستقلال، لأن ذلك في صلب مناقضة تصريح بلفور.
6.  في الوقت الذي ضمن فيه بلفور لأهل فلسطين حرية العبادة والمعيشة، أكد على ضمان الحقوق (السياسية) لليهود في باقي بلدان العالم، لأن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لا تعطي الدول الأخرى مبرراً للتخلص من اليهود، وأمرهم بالخروج إلى فلسطين، فمن حق اليهودي أن يمارس نشاطه السياسي في أية دولة في العالم (!!!).
ختاماً:
قبل تسعين سنة أصدر بلفور تصريحه هذا الذي أعلن فيه (لا للحقوق السياسية لأهل فلسطين)، وبعد ثلاثين سنة "في عام 1947م"، عندما أرادت بريطانيا نقل قضية فلسطين للأمم المتحدة، أعلن وزير خارجيتها أن "بريطانيا وبعد ثلاثين سنة من صدور تصريح بلفور، تشعر بوخز الضمير، تجاه أهل فلسطين، لذا فإننا نرفع قضيتهم للأمم المتحدة" وقد كان ما كان...
في الذكرى التسعين لتصريح بلفور، المساعي حثيثة لعقد مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة الأمريكية، لإحياء عملية (السلام!) بين (إسرائيل) والفلسطينيين والدول العربية، فهل تنجح رايس في مهمتها؟ ولمصلحة من كل هذه المساعي؟ أهي لمصلحة العرب؟ أم لمصلحة (إسرائيل)؟ أم لمصلحة أمريكا نفسها؟
بلفور أوفى بوعده، ورايس تسعى للوفاء بعقد مؤتمرها، ومن حقنا أن نسأل: أليس فينا من يتنبه لمخاطر ذلك؟ أليس فينا رجل رشيد؟

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development