بعد أربعين عاما على هزيمة يونيو.. هل ما تزال التسوية مع إسرائيل ممكنة؟

 الجمعة 11 نيسان 2008 2:27 مساءً
شارك         

المصدر: صحيفة الدستور الأردنية


حسن نافعة

تسيطر اسرائيل منذ حرب يونيو 67 ، التي يصادف هذا الاسبوع ذكرى مرور اربعين عاما على اندلاعها ، على مساحات شاسعة من الاراضي العربية التي احتلتها عقب الهزيمة الساحقة التي الحقتها بعدد من الدول العربية في تلك الحرب. ورغم التغير الجذري الذي طرأ على السياسات العربية تجاه اسرائيل منذ ذلك التاريخ المشئوم ، الا ان حال العالم العربي لم يكن في يوم من الايام اسوأ مما هو عليه الان. لذا تبدو الحاجة ماسة الى وقفة صادقة مع النفس لمراجعة السياسات التي اوصلت العالم العربي الى ما هو عليها الان من حال مزرية.

لفت نظري تصريحات ادلى بها شيمون بيريز يعترف فيها بارتكاب اسرائيل لاخطاء ، يقول انها انعكست سلبا على منطقة الشرق الاوسط باسرها ، ويحصرها في اثنين :

1 - عدم تمكن اسرائيل من توظيف انتصارها لابرام اتفاقيات سلام.
وفي هذا السياق يؤكد بيريز ان اسرائيل لو كانت قد ابرمت اتفاقيات سلام مع الدول العربية ، في وقت كانت فيه الاراضي الفلسطينية ما تزال تابعة لمصر والاردن لامكن تجنب اندلاع حروب اخرى في المنطقة.
2 - تبنيها لسياسة استيطانية يعترف هو نفسه بتحمل جانب من المسؤولية عنها ، بحكم دوره الشخصي في بناء مستعمرة هوفر في القدس المحتلة.

غير ان بيريز اكد في ذات التصريحات على مسألتين اخريين:
1 - ان اسرائيل شنت حرب 67 خوفا من تعرضها لضربة وشيكة من الدول العربية.
2 - انها لم تكن تعتزم احتلال اراض جديدة وان نتائج الحرب هي التي فرضته كأمر واقع.

قد يرى البعض في تلك التصريحات دليلا على صحوة ضمير مفاجئة وربما بزوغ تيار جديد في اسرائيل يبدو مستعدا للاعتراف باخطاء الماضي ويعمل على تصحيحها مستقبلا.

غير ان استنتاجا كهذا يبدو متسرعا ومستبعدا في آن. فهذه التصريحات تحتوي ، في تقديري ، اخطاء وتناقضات تعكس على الارجح حالة ارتباك شديد تعيشها اسرائيل منذ خسارتها للحرب مع حزب الله وفشلها حتى الان في فرض تسوية بشروطها على الشعب الفلسطيني.

فأولا: ليس صحيحا ان اسرائيل كانت تخشى من ضربة وشيكة تقوم بها دول عربية لانها كانت تعلم يقينا ان هذه الدول لا تنوي المبادرة بتوجيه ضربة لا تملك ادواتها ووسائلها.

وثانيا: كانت اسرائيل تدرك يقينا انها ستحقق انتصارا سهلا في الحرب لان الجيوش العربية كلها كانت مخترقة ، وفي ترهل تام وبالتالي غير مستعدة او مؤهلة للحرب.
فلم يكن من قبيل المصادفة قيام اسرائيل بشن هجومها الجوي الكاسح على كل المطارات المصرية في وقت كانت فيه الدفاعات الجوية كلها في حالة شلل بسبب وجود طائرة المشير عامر في الجو.

وثالثا: ليس صحيحا ان اسرائيل لم تكن تعتزم احتلال اراض جديدة لان ذلك يخالف كل الحقائق المعروفة عن تاريخها والتي تقول بانها لم تترك فرصة لاحتلال ارض عربية مجاورة الا وانتهزتها ، وانها لم تتخل مطلقا عن ارض احتلتها ، الا اذا اجبرت على ذلك او قبضت ثمن انسحابها كاملا ومقدما.
ويكفي ان نتذكر هنا انه سبق لاسرائيل اعلانها ضم سيناء عقب احتلالها عام 1956 وانها لم تنسحب منها الا تحت ضغط امريكي ودولي مكثف وبعد حصولها على حق المرور في خليج العقبة.

ورابعا: يصعب التسليم بان ابرام اتفاقات سلام مع الدول العربية كان امرا اسهل منالا في غياب منظمة التحرير الفلسطينية كطرف فاعل في معادلة الصراع ، فالمشكلة لم تكن ابدا في نوعية الاطراف المفاوضة بقدر ما كانت في مضمون الحلول المعروضة. ويكفي ان نتذكر هنا ان اسرائيل كانت قد قررت ضم القدس الشرقية واعلان المدينة الموحدة عاصمة ابدية لها ، وذلك عقب حرب 67 مباشرة.

وفي تقديرنا انه لم يكن باستطاعة اي زعيم عربي ان يبرم اي اتفاق مع اسرائيل لا يضع القدس الشرقية ، وخاصة المسجد الاقصى ، تحت السيادة العربية الكاملة. وعلى عكس ما حاول بيريز ان يوحي في تصريحاته ، لم تكن سياسة بناء المستوطنات ناجمة عن مجرد سوء تقدير او خطأ في الحساب ولكنها كانت تمثل خطا استراتيجيا ثابتا في السياسة الاسرائيلية ووسيلتها الرئيسية لبناء الدولة اليهودية على ارض «اسرائيل التوراتية» ، وهو جوهر المشروع الصهيوني ، ولكن على مراحل وكلما استطاعت الى ذلك سبيلا.

يبدو ان بيريز يريد من وراء تصريحاته ، التي تبدو في ظاهرها معتدلة ونادمة على ما يعتبره اخطاء ارتكبت ، دغدغة احلام وخيالات دول عربية يبدو انها تنشط الان لاعادة «احياء» و«تسويق» مبادرتها المنسية التي كان شارون قد دهسها في حينه ، محاولا ان يبيع لها وهما جديدا يوحي باستعداد للتعاطي الايجابي مع هذه المبادرة ، ولكن الاردن في اطار صفقة متبادلة تقوم اسرائيل بموجبها باعادة الضفة الغربية الى الاردن وقطاع غزة الى مصر مقابل قيام الدول العربية كافة بتطبيع العلاقات معها.

غير ان بيريز يشير في تصريحاته ، ضمنا على الاقل ، الى العقبة الرئيسية التي تحول دون تحقيق السلام في هذه المرحلة وتكمن في الفلسطينيين ومنظماتهم «المتطرفة» ، مثل حماس والجهاد ، وكذلك في المنظمات والنظم الداعمة لهما ، مثل حزب الله في لبنان والنظامين السوري والايراني ، فلا بد من العمل على محاصرة وتصفية هذه القوى اولا قبل ان يصبح السلام ممكنا. وهكذا يعود بنا بيريز ، وبطريقة ملتوية جدا ، ليحاول من جديد تسويق مشروع يتم الترويج له منذ فترة ويستهدف تكوين محور «المعتدلين» ، الذي تبدو اسرائيل مرشحا طبيعيا لقيادته في هذه المرحلة ، في مواجهة محور «المتطرفين» ، الذي يتم التأكيد دائما على ان ايران هي التي تقوده.

في سياق كهذا تبدو حاجة العالم العربي ماسة لوقفة صدق مع النفس على امل ان يتمكن من استخلاص العبر والدروس الصحيحة مما جرى للمنطقة وفيها منذ عام 1967 . وفي تقديري ان اول هذه الدروس يكمن في ان اسرائيل كانت وما تزال غير جاهزة لتسوية حقيقية ومتوازنة للصراع في الشرق الاوسط. ولذلك يتعين التخلص من وهم حاولت اسرائيل ان تروج له دائما وهو ان العرب هم «ملوك الفرص الضائعة» وانهم يعودون دائما ، ولكن بعد فوات الاوان ، ليقبلوا ما سبق لهم ان رفضوه.

فالواقع ان اسرائيل تفاوضت دائما بسوء نية ولم تعرض قط في اي مرحلة من مراحل تطور الصراع ، خاصة بعد حرب 67 ، حلا يمكن لاكثر الاطراف العربية اعتدالا في المنطقة ان يقبله.

ولو كانت اسرائيل قد تعاملت بحسن نية مع مقترحات جونار يارنج مبعوث السكرتير العام للامم المتحدة المكلف ببحث سبل تنفيذ القرار 242 ، او مع المقترحات الرامية لعقد مؤتمر دولي للسلام عقب حرب اكتوبر 73 ، او مع زيارة الرئيس السادات للقدس والمفاوضات التي تلتها ، او مع الفرصة التي سنحت في مؤتمر مدريد للسلام الذي حضرته جميع الدول العربية وخلال المفاوضات الثنائية والمتعددة الاطراف التي انبثقت عنه ، او مع الرئيس حافظ الاسد حين ذهب لمقابلة الرئيس كلينتون في جنيف قبيل وفاته ، او مع الرئيس عرفات في قمة كامب ديفيد الثانية عام 2000 او في مفاوضات طابا التي اعقبتها. لو كانت اسرائيل قد تعاملت بحسن نية مع اي من هذه الفرص لتحققت تسوية مقبولة منذ فترة طويلة ولما اندلعت حروب جديدة بعد 67.

لقد اعتقدت اسرائيل من قبل ان بوسعها فرض تسوية بشروطها اذا تمكنت من اخراج التيار القومي بقيادة عبدالناصر من المعادلة لكنها لم تستطع ، رغم نجاحها في ازاحة عبدالناصر ، ان تصنع سلاما حقيقيا في المنطقة مع رجال من امثال السادات وياسر عرفات حتى بعد ابرام معاهدة السلام مع مصر عام 79 واتفاقية اوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 93 .

فاذا جاءت الان لتقول ان السلام يمكن ان يتحقق ، ولكن بعد اخراج التيار الاسلامي من المعادلة ، فلا يجوز تصديقها لان هدفها الوحيد هو ازاحة العقبات التي تعترض مشروعها من الطريق. واذا كانت اسرائيل تعتقد ان بوسعها الان فرض تسوية بشروطها اذا ما تخلصت من رجال من امثال حسن نصر الله في لبنان او خالد مشعل في فلسطين او حتى بشار الاسد في سوريا واحمدي نجاد في ايران ، فان دروس التاريخ المستخلصة تقول لنا انها لن تنجح في تحقيق هذا الهدف حتى لو تمكنت بالفعل من توقيع اتفاقيات مع رجال من امثال دحلان في فلسطين او الجميل في لبنان او خدام في سوريا. وسيكون على اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة ان يتعاملا في هذه الحالة مع تنظيمات ورجال جدد لا نعرف اسماءهم بعد ، لكن الارجح انهم سيكونون اقرب الى بن لادن والظواهري منهم الى خالد مشعل وحسن نصر الله.

ما تسعى اليه اسرائيل يمكن ان يتحقق في حالة واحدة ، وهي تحويل دول المنطقة الى كيانات طائفية ، لكنها لا تدري انها قد تنجح في تدمير المنطقة برمتها ، لكنها لا يمكن ان تنجح ، في هذه الحالة ، في انقاذ نفسها. تلك هي المسألة.

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development