النكبة.. استراتيجية التهجير والتهويد

 الجمعة 11 نيسان 2008 2:23 مساءً
شارك         

المصدر: نواف الزرو


نعود هذه الايام ونحن امام الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة واغتصاب فلسطين لنذكر بتلك الاستراتيجية الصهيونية تحت التطبيق منذ نشوء الحركة الصهيونية ، فالتنظيمات الارهابية السرية ، فالدولة الصهيونية ، تلك الاستراتيجية المتعلقة بتهجير السكان العرب الفلسطينيين من وطنهم واراضيهم وممتلكاتهم ، وبتهويد المكان الفلسطيني بكامله من بحره الى نهره...،

فوفق احدث التقارير والتحليلات الفلسطينية فان سياسة "التهجير - الترانسفير -"الصهيونية ضد الفلسطينيين بعامة وضد عرب 48 على نحو خاص ، ما تزال تحتل قمة الاجندات السياسية ـ العسكرية - الامنية ـ الاكاديمية ـ والاعلامية الاسرائيلية ، وان تلك الدولة تقترف كل الانتهاكات والممارسات الاجرامية التي من شأنها تضييق الخناق على الفلسطينيين وتحويل حياتهم الى جحيم متواصل بغية اجبارهم في الحصيلة على ترك المكان الفلسطيني الى الخارج...، ، والمعطيات التي تتحدث عن ذلك هائلة لاحصر لها.

وفي سياسة تهويد المكان ـ الوطن الفلسطيني فقد جاء في معطيات اسرائيلية حول الميزان الجيو ديموغرافي في فلسطين المحتلة انه "منذ العام 1948 اقامت اسرائيل 700 تجمع سكاني (بين مدينة وبلدة )يهودي دون ان يقام ولو تجمع عربي واحد بالمقابل ، باستثناء بعض التجمعات التي اقيمت في النقب في مناطق سكنية محاصرة لاجبار عرب النقب على التخلي عن مناطقهم الحيوية واجبارهم بالتالي على الرحيل".

وفي ذلك كان الكاتب الاسرائيلي المعروف "عوزي بنزيمان" قد كشف النقاب عن معلومة بمنتهى الخطورة في هآرتس العبرية 26 ـ 2 ـ 2006 وهي: "ان عرب اسرائيل الذين يشكلون 18 بالمئة من السكان يشغلون فقط 2,4 بالمئة فقط من الارض ..والمساحة المخصصة لليهودي اكبر من تلك المخصصة للعربي بثمانية اضعاف "؟ ، واضاف "ان العرب في الجليل يشكلون 72% من السكان ولكنهم لا يشغلون سوى 16% فقط من الاراضي هناك" مشيرا الى "انه قبل قيام اسرائيل كانت الاراضي العامة اقل من 10% اما اليوم فقد اصبحت 93% حيث وضعت الدولة يدها على الاراضي العربية باربع طرق - لا مجال لذكرها هنا - ".

تفتح هذه المعطيات التي يوثقها لنا بنزيمان امامنا ملف الميزان الجيوديموغرافي في فلسطين ... وكيف كان هذا الميزان قبل قيام تلك الدولة الصهيونية وكيف اصبح اليوم .....؟، ، كما تفتح امامنا ملف التهجير والتهويد الشامل لفلسطين على ايدي الاحتلال الصهيوني ....؟،.

وفي هذا السياق يمكن القول ان الهجوم الصهيوني على فلسطين يحمل كل عناوين الاغتصاب والمجازر والاقتلاع والترحيل والتهويد والغاء الآخر العربي الفلسطيني تماما... وحسب المشاريع والنوايا المقروءة لدولة الاحتلال وبلدوزرها الاستيطاني ، فان هذا الهجوم الصهيوني لم ...ولن يتوقف ابدا ، وهذا الاستخلاص ليس اجتهادا سياسيا او فكريا تحت الجدل ، وانما هو حقيقة كبيرة راسخة تتكرس على الارض مع مرور كل ساعة من ساعات المفاوضات العقيمة وتواصل عمل بلدوزرات الاستيطان والجدران على الارض .. وهي حقيقة معززة مدعمة بكم هائل من الوثائق والمعطيات والوقائع الموثقة الملموسة..

فبالنسبة لفلسطين المحتلة 1948 على سبيل المثال وهي عنوان النكبة والتهجير وتهويد المكان الفلسطيني ، فتؤكد كل التقارير والدراسات العربية والعبرية على "ان الحركة الصهيونية مجسدة بدولة اسرائيل تواصل "عبرنة" و"تهويد" اكثر من 8400 اسم عربي لمواقع جغرافية وتاريخية". وحسب كتاب "المواقع الجغرافية في فلسطين - الاسماء العربية والتسميات العبرية" وهو تأليف الدكتور شكري عراف وصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ـ وكنا قد كتبنا عنه مرارا وللاهمية نعيد هنا التاكيد على معطياته ـ ، فلم يكن في فلسطين حتى غزو الصهيونية سوى 50 اسما عبريا فقط ، وان التوراة اليهودية لا تشمل بالاصل سوى 550 اسما لأمكنة مختلفة في فلسطين وهي في الاصل اسماء كنعانية وبادر الصهاينة الى تحوير الاسماء الاصلية او وضع اسماء عبرية على المواقع الفلسطينية ، وهكذا تحولت "بئر السبع"مثلا الى "بئير شيبع" وطبريا الى "طبيريا" والخضيرة الى "حديرة" والمطلة الى "مطولة" وصفورية الى "تسيبوري" وعكا الى "عكو" وهكذا.

ويتحدث الكتاب عن ان "الصهيونية غيرت وهودت 90% من اسماء المواقع في فلسطين". وليس ذلك فحسب..فدولة الاحتلال تواصل من جهة اولى مخططات تهويد ما تبقى من المواقع والاراضي الفلسطينية في فلسطين 1948 سواء في النقب او الجليل المحتلين ، بينما تشن من جهة ثانية هجوما تهويديا استراتيجيا ايضا على المواقع والاراضي العربية في الضفة الغربية ويتركز هذا الهجوم الى حد كبير على مدينتي القدس والخليل وقد امتد في الآونة الاخيرة الى منطقة الاغوار الاستراتيجية.

فقد جاء على سبيل المثال في تقرير أعدته المبادرة الفلسطينية "ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1948 شرعت العديد من القوانين والاجراءات التي تخدم سياسة تهويد القدس" و"انها تحاول فرض حقائق على الارض من شأنها فصل المدينة المقدسة عن تاريخها العربي والاسلامي لصالح تثبيت ادعاءات يهودية المدينة المقدسة". ولكن.. دولة الاحتلال لا تكتفي بتهويد الجغرافيا والتاريخ وانما تخطط وتبيت وتسعى لاقتلاع وترحيل من تبقى من اهل فلسطين بوسائل مختلفة.. او تسعى لالغاء وجودهم تاريخيا ووطنيا وسياسيا وحقوقيا وحشرهم في اطار كانتونات ومعازل عنصرية هي في الصميم معسكرات اعتقال ضخمة قد يطلق عليها اسم "دولة او دويلة فلسطين" او "كيان فلسطيني" او ربما تبقى بسقف "الحكم الذاتي الموسع".

وبيت القصيد هنا في هذا الصدد ان فلسطين من البحر الى النهر تحت مخالب الاغتصاب والتهويد والاقتلاع والترحيل ، وهذه العملية تجري مع بالغ الحزن والقهر تحت مظلة "عملية السلام" تارة او تحت غبار حرب الاجتياحات والاغتيالات والتدمير والجدران طورا وذلك على مرأى من العالم العربي والمجتمع الدولي... ولذلك فانه لمن بالغ الدهشة الحديث احيانا عن "سلام عادل وشامل ودائم" ، والاغرب التمسك العربي بالنواجذ بخيار المفاوضات وخارطة الطريق على وقع المجازر وبناء المستعمرات والجدران الاغتصابية التهويدية.. وكبرى الكبائر العربية هنا ان تفتح الدول العربية ابوابها لقادة وجنرالات الاحتلال وجرائم الحرب... هكذا مجانا ودون حتى اي التزام اسرائيلي ولو على الورق بوقف المستعمرات والجدران.

ونتساءل رغم كل ذلك في الخلاصة المفيدة: هل سيتوقف الهجوم الصهيوني الاستراتيجي التهويدي الشامل لفلسطين وكيف..؟، وهل سيتوقف البلدوزر عن العمل في جسم الضفة الغربية..؟، وهل ستتوقف عملية التهويد المسعورة للمدينة المقدسة....؟، واستتباعا...

لماذا اذن التمسك العربي بالمفاوضات وخريطة الطريق والمؤتمرات اذا لم تكن تضع حدا للبلدوزر...؟، ولماذا اذن التطبيع العربي المجاني مع "اسرائيل" بلا اي مقابل حقيقي هناك على ارض فلسطين العربية... العربية؟
 
* صحيفة الدستور الأردنية

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development