العوامل الثابتة والنكبات الفلسطينية المتجددة

 الجمعة 11 نيسان 2008 2:19 مساءً
شارك         

المصدر: محمد جلال عناية


في العام 1935، نفد صبر الشيخ عز الدين القسام عندما رأى ان الهجرة اليهودية الى فلسطين وصلت الى مستوى ينذر بالخطر، وان الحركة الصهيونية قد اقتربت من لحظة اقامة دولة يهودية في فلسطين، ولم يستطع القسام الصبر ابعد من ذلك، ولكن قبل ان يعلن القسام الثورة المسلحة، فوجىء هو ومجموعة من اعوانه بطوق من القوات البريطانية فرفض الاستسلام وآثر المقاومة حتى النهاية، وهكذا استشهد في 19/11/1935، ويرقد جثمانه في مقبرة »بلد الشيخ« بالقرب من حيفا، والتي ازالتها اسرائيل ولم يتبق منها غير تلك المقبرة المهجورة.

وفي منتصف تشرين الاول 1936، وصل الشعب الفلسطيني الذي تحمل اعباء الثورة المسلحة الى حالة الانهاك، فقط سقط في الاشتباكات المسلحة الف شهيد فلسطيني مقابل 80 من القتلى اليهود و37 من البريطانيين، وكان ميزان القوة يميل الى صالح بريطانيا بمقدار عشرة الى واحد، وقد رأت الهيئة العربية العليا لفلسطين برئاسة الحاج امين الحسيني ان تنهى الثورة المسلحة بوساطة عربية. فصدر نداء الملوك والحكام العرب المشهور الذي ناشد الفلسطينيين انهاء الاضراب العام والثورة المسلحة »12/11/1936«.

بعد ان تسلمت شحنات هائلة من الاسلحة التشيكية، بدأت منظمة »هاجانا« في شهر نيسان 1948 بتنفيذ الخطة »D« لاحتلال المدن والقرى الفلسطينية وطرد اهلها منها، وفي ذلك الشهر تعرض الفلسطينيون لضربتين صاعقتين اثرتا في روحهم المعنوية، ففي 8/4/1948 استشهد عبد القادر الحسيني قائد جيش الجهاد المقدس خلال هجوم قام به لاستعادة قرية القسطل التي سقطت بيد منظمة الهاجانا اليهودية. وفي اليوم التالي قامت عصابتا ارغون وشتيرن الارهابيتان باقتراف مذبحة »دير ياسين«.

تتمثل العوامل الثابتة التي ادت الى النكبات الفلسطينية المتجددة في: اولاً، اصحاب المصالح من القوى الخارجية الطاغية، وثانيا، اغتصاب فلسطين بالعنف والارهاب واعتماد المشروع الصهيوني على التفوق العسكري. وثالثاً، بث الروح الانهزامية واللامبالاة في نفوس الشعوب العربية. وان مسلسل النكبات الفلسطينية ادى بدوره الى الاحوال المضطربة التي سادت منطقة الشرق الاوسط منذ منتصف القرن العشرين، والتي تمثلت في الحروب والانقلابات العسكرية وفقدان امن المواطنين على الصعد السياسية والاقتصادية والنفسية.

رأت حكومة بريطانيا الاستعمارية ان تتخلص من فيض المهاجرين اليهود الذين تدفقوا من روسيا القيصرية عليها في بداية القرن الماضي، وان تستثمر اموال اليهود المتوطنين في الدول الغربية في اعمار الامبراطورية ففتحت لهم الابواب للتدفق الى فلسطين باصدار وعد بلفور »1917«.

واتفقت مصالح الشرق »الاتحاد السوفييتي«، والغرب »الولايات المتحدة الامريكية« على اقامة دولة يهودية في فلسطين، فصدر قرار تقسيم فلسطين »1947« بتأييد من الطرفين، فقد فضل الاتحاد السوفييتي دولة يهودية بها حزب شيوعي معلن على مجموعة دول عربية تابعة لبريطانيا. وفي الولايات المتحدة الامريكية كانت الورقة الانتخابية اليهودية عامل ضغط ومساومة على الرئيس الامريكي هاري ترومان ومن اتى بعده من رؤساء امريكا.

لندع المروءة والشجاعة التي يتمتع بهما العربي كفرد جانباً في حديثنا عن الحرب والسياسة، فلقد اغتصبت الحركة الصهيونية فلسطين بالعنف، فاحتلت الارض بالقوة العسكرية وطردت اهلها من مدنهم وقراهم، ولم تعبأ اسرائيل بالشعب الفلسطيني المهزوم بل امعنت في ظلمها له. فقد فرضت عليه ما اسمته »الامر الوقائع«، من نتائج الحرب العسكرية، وعملت على شن حرب نفسية ارهابية عليه بالاعتداءات الوحشية على تجمعاته في القرى ومعسكرات اللاجئين لوضعه امام خياري الهزيمة او الموت بلا ثمن، فظل يرفض الهزيمة ويبحث لموته عن ثمن.

كانت الروح الانهزامية واللامبالاة التي سيطرت على نفوس الاشقاء العرب هي العامل الاخطر الذي تسبب في النكبات الفلسطينية المتجددة. واننا لن نتوسع في التفاصيل، ولكن من حيث المبدأ فإن بريطانيا واسرائيل وبعض الانظمة العربية لم ترد للشعب الفلسطيني ان يبقى موحداً وان يقيم دولة فلسطينية حتى في حدود قرار التقسيم بمزاعم ان الحاج امين الحسيني كان ارهابياً وعميلاً لالمانيا النازية.

فشل الحكام العرب في حروبهم العسكرية امام اسرائيل التي كانت الحرب خيارها الاستراتيجي، اما هم فكانت حروبهم من قبيل رفع العتب امام شعوبهم. وفشل العرب في اقامة الوحدة الوطنية داخل اقطارهم، والوحدة القومية فيما بينهم لغياب الديمقراطية وسيطرة الاستبداد فتفرقوا وذهبت ريحهم، وفشل العرب على الصعيد الدبلوماسي والعلاقات الدولية، فإن اسرائيل حالفت امريكا وادارت ظهرها للاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، اما العرب الذين فشلوا في تحقيق التحالف فيما بينهم، فإنهم فشلوا في التحالف مع الغرب خوفاً من غضب شعوبهم »اغتيال الملك عبد الله ونوري السعيد« وفشلوا في التحالف مع الاتحاد السوفييتي مخافة لغضب الله وعمق الثقافة الاسلامية، فخشي الغرب على النفط من العرب، وفقد السوفييت الامل في الامتداد في بلادهم، فارتفع ثمن اسرائيل في الغرب، اما العرب فتحدد ثمنهم في الشرق.

واليوم، ماذا تغير؟

اميركا تبطش بالعرب في العراق، وتعزز مهمة اسرائيل للبطش بالعرب في فلسطين، والمبادرة العربية للسلام معيار جيد للعرب من صنع ايديهم، ليزنوا به قوتهم امام الولايات المتحدة واسرائيل والمجتمع الدولي، وليكشفوا به درجة الاحباط لدى الفلسطينيين والشعوب العربية، ولا تزال اسرائيل تمعن في قتل الفلسطينيين بجميع الاسلحة ومن كل اتجاه، ولكنهم ما زالوا يرفضون الهزيمة ويبحثون لموتهم عن ثمن.

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development