حرب السلطة على الحركة بعد الحسم العسكري

حرب الاحتلال والسلطة على حماس في الضفة

 الأربعاء 22 حزيران 2011 10:23 مساءً
شارك         


عندما طرح مشروع الانتخابات البلدية والتشريعية في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد اغتيال ياسر عرفات ومن قبله الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، تبدت معالم المسار السياسي الجديد الذي سيمضي فيه ورثة مشروع أوسلو، وبالضرورة منظمة التحرير وحركة فتح.

كان أساس الجدل الذي اندلع بشأن مشاركة حماس يتعلق بجملة من النقاط، نتذكر هاهنا واحدة وهي أساسية إلى حد كبير، وتتعلق بمضمون هذا التحليل، أعني وضع حماس في الضفة الغربية.

هنا ينبغي التذكير بالفارق بين الوضع في قطاع غزة وبين نظيره في الضفة الغربية، ففي حين يتمتع قطاع غزة منذ الانسحاب الإسرائيلي ببعض المزايا وأهمها مقدرة مواطنيه على الدخول والخروج بدون رقابة إسرائيلية -أغلقت المعابر بعد سيطرة حماس- إضافة إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي وتراجع قدرته على التوغل العادي واعتقال الناس، في ظل غياب قرار الاجتياح الشامل، مع بقاء القدرة الفائقة على الاغتيال من الجو، مع بعض الاجتياحات لمناطق الأطراف.

الضفة الغربية لها وضع مختلف، فهنا يتمتع الاحتلال منذ عملية السور الواقي في أبريل/نيسان 2002 بصيغة "احتلال ديلوكس" كما وصفه محللون إسرائيليون، إذ يدخل الجيش في ظل حظر التجول -بواسطة القوات الخاصة وقوات المستعربين أحيانا- فيعتقل من يشاء ويقتل من يشاء ثم يخرج من دون تكبد أية خسائر، باستثناء حالات نادرة.

والنتيجة هي أن قرار بقاء أي ناشط سياسي حرا هو في يد الاحتلال، اللهم إلا إذا قرر أن يغدو مطاردا، وغالبا ما يعتقل أو يغتال بعد وقت قصير بسبب جيش العملاء، وقدرة جيش الاحتلال على الدخول السريع الخاطف والخروج في أي وقت.

بدخولها الانتخابات التشريعية وقبلها البلدية كشفت حماس بنيتها التنظيمية أمام العدو أكثر بكثير من ذي قبل، إذ كان عليها أن تلقي بجزء حيوي من رصيدها في الميدان، ولتغدو الغالبية من رموزها المعلنين وغير المعلنين مكشوفة، بمن في ذلك من لم يسبق اعتقالهم.


هجمة الاحتلال بعد الانتخابات
"
الثمن الذي دفعته حماس في الضفة بعد الانتخابات كان باهظا، إذ خسرت بسببها رصيدا مهما لم يصب كثير منه من قبل، كما هو حال العديد من أعضاء المجلس التشريعي والبلدي والمدراء والوزراء، فضلا عن رموز العمل الخيري والاجتماعي
"
لم تطل فترة التهدئة طويلا، فما هي سوى أربعة شهور على الانتخابات التشريعية، حتى جاءت عملية الوهم المتبدد التي أسر فيها الجندي جلعاد شاليط، ومنذ ذلك الوقت تعرضت حماس لحرب شرسة من قبل قوات الاحتلال أفضت إلى اعتقال معظم عناصرها في البلديات والمجلس التشريعي، بما في ذلك الوزراء.

إضافة إلى كم كبير من كبار المدراء في المؤسسات والوزارات، مع العلم أن للحركة حوالي أربعة ألاف معتقل سابق في سجون الاحتلال جرى اعتقال ثلاثة أرباعهم بعد انتفاضة الأقصى.

كان الثمن الذي دفعته حماس في الضفة بعد الانتخابات باهظا، إذ خسرت بسببها رصيدا مهما لم يصب كثير منه من قبل، كما هو حال العديد من أعضاء المجلس التشريعي والبلدي والمدراء والوزراء، فضلا عن رموز العمل الخيري والاجتماعي ممن لم يكونوا منخرطين في العمل السياسي المباشر.


حرب السلطة على الحركة بعد الحسم العسكري
من الأسباب التي دفعتنا والعديد من المحللين والمخلصين إلى اعتبار الحسم العسكري خطأ من الزاوية السياسية، حتى لو كان محقا من الزاوية الأخلاقية تبعا لتواصل الانفلات الأمني ومطالب الناس بوقفه، ذلك السبب المتعلق بوضع حماس في الضفة الغربية، إضافة بالطبع إلى حشر الذات في قمقم غزة في ظل ظرف عربي ودولي بائس، بدل تزعم حكومة وحدة وطنية.

كان لا بد لأية خطوة سياسية من هذا الوزن أن تأخذ بالاعتبار ردة فعل الطرف الآخر عليها، ليس السياسية فحسب، بل الأمنية أيضا، إذ ليس من المنطق أن تأخذ قيادة حركة قرارا بالهجوم على متمردين يمكنها هزيمتهم في مكان ما، بينما تدرك ما يمكن أن يفعله رفاقهم في المكان الآخر في سياق الانتقام، لاسيما إذا كان ذلك المكان أكثر أهمية من مختلف الزوايا السياسية والتاريخية بحسب أبجديات الصراع.

أما القول بأن ردة فعل قيادة السلطة وحركة فتح لم تكن متوقعة على هذا النحو فلا يبدو مقنعا، لأن دأبها هو استغلال أخطاء حماس أبشع استغلال، كما أن لها سيرة مشابهة أيام أوسلو في النصف الثاني من التسعينات، وإن لم تكن بهذا المستوى من الحدة.

لا يعني ذلك بحال تبرير ما تفعله السلطة منذ منتصف يونيو/حزيران الماضي، كما لا يعني أيضا أن ما تفعله لم يكن واردا في سياقات سياسية أخرى.

وبالطبع في ظل قيادة أعلنت منذ البداية أن مسارها هو التفاوض والتفاوض وحده، وأن "العسكرة"، بحسب مصطلح محمود عباس -أي المقاومة المسلحة- هي لون من العبث.

وحين يعلن القوم التزامهم بخريطة الطريق التي ينص البند الأول منها على نزع سلاح المقاومة ووقفها بالكامل، فلن يستغرب منهم أن يفعلوا أكثر من ذلك في حال إصرار حماس على رؤيتها وبرنامجها المقاوم.


معالم حرب الاستئصال في الضفة
في هذا السياق المتعلق بمعالم حرب الاستئصال يبدو من الصعب التوقف كثيرا عند الحوادث الخاصة، اللهم إلا في سياق ضرب الأمثلة، إذ إننا إزاء حرب تجاوزت كل الحدود والأعراف والأخلاق، ولا قيمة هنا للمقارنة مع قطاع غزة الذي لا يعرف إلى الآن الاعتقال السياسي، حيث يتجول قادة فتح فيه بحرية، ويتحدثون إلى وسائل الإعلام من دون رقيب ولا حسيب.

أما التذكير بما جرى أيام الاقتتال فلا قيمة له، لأن حزب دحلان هو السبب وليس حماس التي احتفلت بحكومة الوحدة الوطنية ولم ترد أكثر منها رغم ما انطوت عليه صيغتها من تنازلات.

بحسب إحصاءات حماس، وفي شهر رمضان وحده اختطف 140 عنصرا من عناصرها، ودوهم 21 مسجدا، في حين اقتحمت 26 مؤسسة لأصحابها صلة ما بالحركة، ومعظمها صلات شخصية، مع العلم أن عدد الاعتداءات التي أحصيت على الأفراد والمؤسسات منذ الحسم العسكري في قطاع غزة وحتى بداية رمضان قد بلغ 1324 اعتداء، أما الأهم فهو أن وتيرة الاعتداءات بعد عيد الفطر المبارك قد تصاعدت على نحو ملفت، وإن لم تتوفر لنا إحصاءات حتى كتابة هذه السطور.

"
المعلم الأول من معالم العدوان على حركة حماس في الضفة الغربية يتعلق باعتقال عناصرها، الأمر الذي تجاوز سائر الخطوط الحمراء، إذ لم يجر الإبقاء على أي قيادي أو رمز شعبي، بما في ذلك الأسرى المحررون وعلماء الدين والخطباء
"
المعلم الأول من معالم العدوان على حركة حماس في الضفة الغربية يتعلق باعتقال عناصرها، الأمر الذي تجاوز سائر الخطوط الحمراء، إذ لم يجر الإبقاء على أي قيادي أو رمز شعبي، بما في ذلك الأسرى المحررون وعلماء الدين والخطباء، فضلا عن الطلبة والطالبات.

عندما يداهم بيت الشيخ سعيد بلال، أحد أهم أعيان نابلس ويعتقل ابنه البكر (بكر) الخارج لتوه من المعتقل الصهيوني بعد قضاء خمس سنوات، والذي يقضي إخوته القساميون الثلاثة أحكاما رهيبة بالسجن (معاذ 27 مؤبدا، وعثمان الضرير، نعم الضرير 11 عاما، والثالث مؤبدان) نجد أنفسنا أمام اعتداء يستفز مشاعر الناس، مع العلم أن بكر قضى أسبوعين رهن الاعتقال ولم يفرج عنه إلا بعد وساطات كثيرة.

عزيز فتاش من سلفيت أسير محرر بعد عشر سنوات قضاها في المعتقل الإسرائيلي، اعتقلوه أيضا ومثله كثير، أما الأسوأ فهو الاعتداء على أهالي الأسرى والشهداء، كما هو الحال في اختطاف وضرب صهيب نجل الأسير القائد حسن يوسف، واعتقال صهر الشهيد القائد جمال سليم، واعتقال بلال نجل الشهيد القائد القسامي يوسف السركجي.

ولا تسأل بعد ذلك عن التعذيب الذي يتعرض له الشبان المعتقلون، لاسيما المتهمون بصلة ما بكتائب القسام ومقاومة الاحتلال، وقد روى بعض المفرج عنهم حكايات يشيب لهولها الولدان عن التعذيب الذي يجري في أروقة الأجهزة الأمنية، وإن لم يجرؤوا على الحديث عنها في العلن.

وقد كان لافتا قيام قوات الاحتلال باعتقال العديد من الشبان بعد الإفراج عنهم من قبل أجهزة السلطة، ما يشير إلى التعاون الأمني الواضح بين الطرفين.

لم يتوقف الأمر عند الشبان فقد بدأت السلطة باستدعاء الطالبات الجامعيات أيضا، على نحو أثار مشاعر الناس، ونددت به نائبة الجبهة الشعبية خالدة جرار على رغم ما عرف عنها من مجاملة للسلطة وانحياز لها، لاسيما بعد الحسم العسكري في القطاع.

بعد نظام الاعتقال والاستدعاء والتعذيب، تحضر بشكل خاص تلك المطاردة لمؤسسات الحركة الاجتماعية، والتي تعرضت لهجمات بلا عدد، وجرى إغلاق عدد كبير منها، ليس فقط الجمعيات الخيرية، بل حتى المدارس ورياض الأطفال، ووصل عدد الجمعيات التي أغلقت إلى ما يزيد عن مئة، جاء إغلاقها بعد تعرضها في السابق للحرق والتدمير.

الجامعات لاسيما النجاح كان لها نصيب وافر من الاعتداءات، فقد حظرت الكتل الإسلامية ولوحق رموزها بالاعتقال والتعذيب، وصولا إلى الاستدعاء الذي طال الطالبات أيضا، بينما تتواطأ إدارات الجامعات، وعلى رأسها النجاح مع الحملة على نحو معيب.

المساجد وخطباؤها يتعرضون للملاحقة أيضا، إذ تداهم المساجد على نحو يومي، ويعتقل الخطباء، وأقصي أكثرهم من منصبه لحساب آخرين، ولا تسأل عن فصل الموظفين المقربين من حماس في المؤسسات الرسمية والوزارات.

وقد وصل الحال حد الاعتداء والتشهير بالنائبة منى منصور بسبب مواقفها الجريئة، مع العلم أن خمسة فقط من نواب حماس الأربعين في الضفة موجودون خارج السجن.


وسائل الإعلام والتعتيم
هذه الحرب التي تشنها السلطة على أكبر حركة في الشعب الفلسطيني لا تجد صداها في وسائل الإعلام، والسبب هو خوف أصحابها من بطش السلطة، فضلا عن انحياز بعضها الطبيعي ضد حماس.

مع العلم أن الإعلام يعمل بحرية في قطاع غزة، بما في ذلك صحف السلطة التي توزع في القطاع رغم تفننها في هجاء الحركة، بينما تمنع صحيفتي الرسالة وفلسطين التابعتين لحماس من الطباعة والتوزيع في الضفة، بل يطارد أي متعاون أو حتى متحدث في بعض الأحيان إلى فضائية الأقصى التابعة للحركة.


زيارة قادة حماس للمقاطعة
"
حماس التي تطارد الحوار لاستعادة الوحدة والشراكة السياسية ليست في وارد تكرار ما جرى في غزة بالضفة، ويعلم العقلاء أنها لن تفعل ذلك حتى لو كانت قادرة عليه من دون إراقة قطرة دم واحدة
"
مطلع الشهر الحالي قام أربعة من رموز حماس والمحسوبين عليها بزيارة مبنى المقاطعة في رام الله وأداء صلاة الجمعة إلى جانب الرئيس الفلسطيني، وهو لقاء حمّل أكثر مما يحتمل، مع العلم أنه كان محض مجاملة للقادة إياهم بعد رد اثنين منهم على تصريح لنزار ريان في غزة قال فيه "في الخريف سنصلي في المقاطعة"، بقولهم "سنصلي في المقاطعة خلف الرئيس".

مع العلم أن أحدهم وهو حسين أبو كويك لم يكونوا ليجرؤوا على اعتقاله، وهو الذي قتلت زوجته وجميع أبنائه بصاروخ طائرة إسرائيلية استهدفت سيارته التي لم يكن موجودا فيها.

أما القول إن اللقاء كان رسالة سياسية من الرئيس عباس لتحسين وضعه التفاوضي فهو محض احتمال لا تسنده سيرة الرجل. ويبقى أن الأيام التالية لم تشر إلى أدنى تحسن في سلوك أجهزة السلطة بحق الحركة وكوادرها.

ما ينبغي قوله في ختام المطاف هو أن ما يجري من حرب على حماس في الضفة الغربية، ما زال يتوزع بين منطق الثأر، وبين تسهيل تمرير مسار سياسي بائس عنوانه تنفيذ البند الأول من خريطة الطريق (محاربة الإرهاب والتحريض).

أما الحديث عن الحيلولة دون تكرار ما جرى في غزة فهو محض دعاية لأن حماس التي تطارد الحوار لاستعادة الوحدة والشراكة السياسية ليست في وارد تكرار ما جرى في غزة، ويعلم العقلاء أنها لن تفعل ذلك حتى لو كانت قادرة عليه من دون إراقة قطرة دم واحدة، لأن من العبث السيطرة على منطقة يمكن للاحتلال استباحتها في أي وقت يشاء.

أما الاستناد إلى تصريح هنا أوهناك يأتي غالبا في سياق الخطابة والردود المتبادلة، فلا يمكن أن يكون صائبا، كما وقع لتصريحات محمود الزهار وقبله نزار ريان، ذلك أن القرار الجماعي لحماس لا يمكن أن يمرر مغامرة من هذا النوع، في وقت لا تزال معضلة القطاع قائمة رغم الفارق الموضوعي بين الحالتين كما أشرت سابقا.
 

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development