حول تيار "التاريخ الجديد" في إسرائيل

منظومة الدعاية الصهيونية

 الأربعاء 22 حزيران 2011 10:10 مساءً
شارك         


تعتبر حرب 1948 التي اندلعت غداة إعلان قيام الكيان الصهيوني في فلسطين وعملية تأسيس الدولة نقطة اهتمام مركزية في كتابات المؤرخين الجدد، وقد قام بني موريس Benni Morris بتدشين هذا الاهتمام عن طريق نشره دراسته العلمية في سنة 1988 بعنوان "نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين"(1)، وهي دراسة دقيقة تتبع فيها عملية ترحيل قوات إسرائيل (النظامية والرديفة) للفلسطينيين رافضا عبارة الهجرة ومعطيا عبارة "النكبة" معناها الإحصائي والسياسي الدقيق لتصبح مرادفا لعملية نشأة شتات حقيقي هذه المرة.

التهجير الفلسطيني حتمية صهيونية
الصهيونية وثقافة الإحساس بالخطر
الدعاية الصهيونية وإقناع الغرب
الاستعمار البريطاني والاستيلاء على فلسطين

التهجير الفلسطيني حتمية صهيونية

"
سعت الأدبيات الأولى للصهيونية باستمرار إلى نشر فكرة الفراغ الديمغرافي في فلسطين وقدرة هذه البلاد على استقبال "أبنائها" الموزعين في شتات العالم، من أجل إعادة بناء "وطن الله " الموعود.

"
بالرغم من اعتبار بني موريس أن إعلان الدول العربية الحرب على إسرائيل هو الذي شكل المبرر الواقعي لعمليات التهجير الواسعة التي حدثت بعد ذلك، فإنه يرى أنه حتى لو لم تكن هناك حرب أصلا، لوقع تهجير الفلسطينيين بنفس الطريقة وبنفس الحجم، ذلك أن المشروع الصهيوني كان يطلب أرضا بلا سكان. كان الإسرائيليون، بحسب بني موريس، يفضلون مغادرة الفلسطينيين طوعا لأراضيهم إلا أنهم أجبروهم على ذلك باستعمال غير متكافئ للقوة.

لعله من الضروري هنا التوقف عند مسألة السكان العرب في فلسطين، ذلك أن الأدبيات الأولى للصهيونية سعت باستمرار إلى نشر فكرة الفراغ الديمغرافي في فلسطين وقدرة هذه البلاد على استقبال "أبنائها" الموزعين في شتات العالم، من أجل إعادة بناء "وطن الله " الموعود. منذ خطاب هرتزل أمام القيصر الألماني في فلسطين في 1898 كان هناك تأكيد لا يكل على تلك الفكرة.

لا يتعلق الأمر بأكذوبة، ذلك أن ما كان الصهيونيون الأوائل يريدون التأكيد عليه هو فكرة الفراغ الحضاري أكثر منه فراغا سكانيا. من خلال خريطة القرى الفلسطينية التي وقع تدميرها والتي لم تعد تدل عليها اليوم سوى أكوام من الحجارة المتراكمة يستطيع كل باحث موضوعي أن يعيد اكتشاف ما كان عليه الواقع البشري في فلسطين عند بدء الصهيونيين هجرتهم المعاصرة إليها: مزارع مزدهرة، قرى مكتظة بالسكان، حركة مبادلات نشيطة...إلخ.

على المستوى الديني كانت فلسطين باستمرار أرضا لتعايش الديانات الثلاث، وبالرغم من سعي الدول الكبرى إلى استخدام التنوع الديني الواقع للضغط على السلطان من أجل الحصول على نوع من الرقابة على الأماكن المقدسة، فإنه لم تحدث مصادمات على نطاق واسع بين معتنقي الأديان الموجودة. بالرغم من ذلك فإن مسالة "الفراغ الحضاري" وقع تأكيدها بصفة مستمرة في الكتابات الصهيونية إلى أن تحولت في النهاية إلى نوع من القناعة شبه الخرافية بانعدام وجود شعب على تلك الأرض. ذلك ما يعطي لعبارة هرتزل كل معناها: "نحن نريد قليلا من الجغرافيا لشعب له كثير من التاريخ" وكذلك لعبارة "أرض بدون شعب لشعب بدون أرض".

في السياق الاستعماري للثلث الأخير من القرن التاسع عشر يأخذ الأمر كل أبعاده الثقافية ويحقق استجابة لفكرة أساسية في منظومة المركزية الثقافية الأوروبية. لا حضارة إلا في شكلها الأوروبي إذا، وبما أن اليهود المؤسسين لإسرائيل هم يهود أوروبيون في معظمهم، فإنهم أفضل ممثلين أمكن الحصول عليهم لنقل تلك الحضارة إلى "المجموعات الهمجية".

لكن كيف يمكن تأسيس دولة متمدنة بيهود يحملون ثقافة الهمجيين؟ تلك كل مشكلة يهود البلدان العربية في إسرائيل اليوم. من حسن الحظ أنهم يهود، هم أيضا، وأن الله وعدهم مثل الآخرين تماما بوطن، وكثير من السعادة.

المشكل هو أنه عوضا عن "تمدين" البرابرة الذين "اكتشف" اليهود المهاجرون وجودهم على "أرض الله"، فإنهم قاموا بطردهم والحلول محلهم. من منطلق ثقافي بحت فإن تدمير شبكة القرى الموجودة وتحطيم أنماط العيش المحلية أمر لا يمكن الاستناد فيه على أية ثقافة، خاصة تلك التي تقوم على فكرة الإعمار، بغض النظر عن احترام ممثليها للفكرة المجردة من عدمه.

الصهيونية وثقافة الإحساس بالخطر

"
تقتات الصهيونية على العدوانية، وتحول تلك العدوانية باستمرار إلى نوع من الرابطة القومية. لا تستطيع الصهيونية أن تعيش دون حروب، ولو على بعد آلاف الأميال من حدودها الراهنة، لذلك فإن "السلام" هو عدو الصهيونية الأول

"
من منطلق تاريخي بحت فإن ما قامت به الصهيونية على أرض فلسطين لا يمثل إلا حلقة في سلسلة طويلة من عمليات "التمدين" الموجهة للشعوب الأخرى، وقد بدأ ذلك منذ حلول أول الأسبان بالعالم الجديد، وتواصل مع كل حلقات مسلسل التوسع الاستعماري،في إفريقيا وآسيا، و لن يتوقف حتما في العراق ولا في أفغانستان.

هناك مشكل أساسي في الثقافة الغربية، وهو ذات المشكل الذي نعتقد أنه يسمح باستعمال "ثقافة أوروبية" في صيغة المفرد، مهما وقعت محاولة التغطية على ذلك بكل الخطاب الممل حول "الآخر" وثقافته. حتما، إن للمدنية ضريبتها، وبعض من "الخسائر الجانبية".

هناك مشكل أساسي آخر لا يقع حله في المجتمع الصهيوني بفلسطين اليوم، وهو مشكل يعود بالأساس إلى أنه مجتمع صهيوني وليس مجتمعا يهوديا. إزاء "التحديات الكبرى" تستطيع الصهيونية أن توحد الجميع وراءها، ذلك أن وظيفة الصهيونية الأولى هي تلقين وترسيخ ثقافة الإحساس بالخطر.

تقتات الصهيونية على العدوانية، وتحول تلك العدوانية باستمرار إلى نوع من الرابطة القومية. لا تستطيع الصهيونية أن تعيش دون حروب، ولو على بعد آلاف الأميال من حدودها الراهنة، لذلك فإن "السلام" هو عدو الصهيونية الأول. تقليديا، استطاعت الصهيونية تحويل اللاسامية إلى وقود لها ولمشروع "الدولة المقدسة".

كان ذلك ضروريا، من وجهة نظر الصهيونيين المؤسسين، لدفع اليهود إلى الهجرة نحو فلسطين، ذلك أنه طالما كان المشكل قوميا، فإن الحل لا يمكن أن يكون إلا قوميا. مثلما احتاجت الصهيونية إلى اللاسامية فإنها تحتاج إليها اليوم للحفاظ على درجة متحكم فيها من التوتر. في كلتا الحالتين يبقى الهدف هو الصهيونية وليس اليهود، فما تراه الصهيونية ليس بالضرورة دائما هو مصلحة اليهود، وهي ذات الفكرة التي يركز عليه اليوم الكثير من المؤرخين الجدد.

الدعاية الصهيونية وإقناع الغرب

هناك فكرة أخرى شديدة الرسوخ في منظومة الدعاية الصهيونية، وهي أنه لا يمكن أحيانا تلافي "الخسائر" التي يوقعها "جيش الدفاع" بأعداء إسرائيل، وأنه يجب التعود على القبول بهذه الخسائر. يتفهم الغرب كثيرا ذلك، وهو ما يفسر إلى حد ما أن آلة الدعاية الإسرائيلية لا تقوم بجهد كبير لإخفاء الخسائر التي يوقعها "جيش يهوه" بخصومه، بل تستعمل تلك الخسائر لتأكيد "سمو الهدف" الذي تسعى لتحقيقه إسرائيل، وترسخ فكرة اللعنة التي تحيق دائما بمن يتصدى لها.

باستمرار، كان الأعداء يعطون المبررات لتلك الحروب، لذلك فإنهم هم من يتحمل أخلاقيا وزر مآسيهم، أما إسرائيل، فهي لا تملك سوى أن تدافع. لذلك فإن جيشها هو الوحيد في العالم الذي يحمل اسم "جيش الدفاع".

يرى بني موريس مع ذلك أن العرب كانوا يعطون المبرر الكافي لإسرائيل كي تحقق بالقوة، وبالاستناد على تعاطف لا يكل من جانب الرأي العام الدولي وخاصة الغربي، ما كانت تحتاج إليه لإقامة مشروعها وتوسيع نطاقه، في 1948 ثم في 1967.

إذا كان هدف الصهيونية هو تجميع اليهود على "أرض الميعاد"، وإذا كانت مساحة أرض الميعاد لا تسمح بوجود شعبين، فإن التهجير يصبح أمرا محتوما بالنسبة للسياسة الإسرائيلية. لم يهاجر العرب إذا وإنما هجروا باستعمال التخويف والمجازر وتدمير مئات القرى، ولا أمل لقبول إسرائيل بحق عودة اللاجئين لأن ذلك يعيد المشروع الصهيوني إلى نقطة انطلاقه الأولى، خاصة مع تراجع جاذبية "أرض الميعاد" لليهود.

إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا حدود رسمية لها، وهو أمر يمكن تفسيره بالخطين الأزرقين على رايتها الوطنية، من النيل إلى الفرات، غير أن ذلك ربما غدا حلما بعيد المنال اليوم بعد أن أجبرت الانتفاضة الأولى ثم الثانية وتصاعد المقاومة الكيان الصهيوني على بناء جدران عالية أضحت تشكل واقعيا الحدود الإجبارية "لدولة اليهود".

ما ينبغي تأكيده في خصوص التهجير هو أنه تم الشروع فيه منذ ما قبل مايو/ أيار 1948 مما يجعل مفهوم "الذريعة" الذي يقدمه بني موريس شديد النسبية. منذ إعلان الأمم المتحدة قرار التقسيم، وخاصة منذ شهر مارس 1948 انطلقت "الهاجاناه" في عملية تدمير منهجي للقرى الفلسطينية وارتكاب المجازر في حق القرويين. في ظرف سنة واحدة قامت المجموعات الصهيونية المسلحة، الرسمية وشبه الرسمية، بطرد 750 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، ودمر ما يفوق الخمسمائة بلدة فلسطينية أضحت اليوم أثرا بعد عين.

في السياق نفسه ناقش بني موريس، وآخرون أيضا، مسألة بالغة الأهمية في الدعاية الصهيونية، وهي انتصار اليهود على أعدائهم بالرغم من تفوق العرب عليهم عدة وعتادا، وهو ما أصبح تقريبا صورة نمطية للحروب العربية الإسرائيلية: انتصار إسرائيل الخاطف رغم ضعف مواردها البشرية والعسكرية على أعدائها الأشرار. أي تحقيق أكثر روعة لوعد يهوه لشعبه المختار؟ "لا يمكن لداود إلا أن ينتصر على جالوت مهما كان فارق القوى". كم جالت هذه الصورة في الإعلام الغربي حتى غزت عقولنا نحن وصرنا نردد مع الدعاية الصهيونية كيف أن كيانا ناشئا عمره بضعة أسابيع استطاع ينتصر على خمسة جيوش عربية، وظللنا نحمل تلك الخيبة جيلا بعد جيل. حرب الأيام الستة أيضا حملناها كإثم دائم لا يصدأ أبدا. أما في أكتوبر 1973 فلم نستطع الحفاظ على نصر كان على مرمى حجر. من "نكبة" إلى "نكسة" إلى "عبور" (ثم عودة)، صيغت علاقتنا التاريخية بالكيان الصهيوني، علاقة ملأت أجيالنا عقدا وهزيمة.

ماذا لو لم تكن المسالة برمتها سوى حملة علاقات عامة نجحت فيها الصهيونية؟ في 1948 كانت القوات الصهيونية أكبر عددا من كل القوات التي قاتلتها، هذا الأمر أصبح مؤكدا اليوم: من ناحية أولى لم يكن للقوات العربية القادمة من خارج فلسطين أية خطط جاهزة وأي تنسيق سابق أو لاحق، لا فيما بينها ولا مع المقاومة الفلسطينية المنهكة والضعيفة. لا أحد يستطيع أن ينكر تأثيرات ذلك على ميدان المعركة، غير أن الغاية هنا هي إبراز الهدف من تصوير الأمر على غير ما كان عليه من قبل الدعاية الصهيونية: التأكيد على صورة داود وجالوت التوراتية، إسرائيل "إرادة الرب"، و"إرادة الرب لا تقهر". لا ضير في التخلي عن صورة انتصار تقليدي من أجل ذلك، خاصة إذا ما كانت نتائجه حشد التعاطف الغربي وترسيخ عقدة الهزيمة لدى الأغيار. بمنطوق الأرقام، وفي حرب 1948، كان 7000 آلاف مقاوم فلسطيني يدعمهم 3800 جندي عربي أرسلت بهم جامعة الدول العربية (جيش الإنقاذ العربي) وبضع مئات من المتطوعين العرب الآخرين، يواجهون ستين ألف جندي إسرائيلي. في مرحلة لاحقة من الحرب سيبلغ عديد القوات الصهيونية 95 ألفا، مع تراجع في عدد المقاتلين العرب. لا فائدة في ذكر فارق العتاد وطبيعة التحالفات وكثافة الجسر الجوي الداعم للكيان الناشئ، فالأمر لا يستحق هذا العناء أصلا.

في السياق ذاته تقوم إحدى دعامات الدعاية الصهيونية على فكرة أن إسرائيل نشأت من رحم حركة تحرر ضد الاستعمار البريطاني باستعمال النضال السلمي أولا ثم بإتباع الكفاح المسلح. للناس في تونس مثل شعبي يستعاض به عن التفسيرات المطولة: "أن تبيع القرد ثم تضحك ممن يشتريه". كم يأخذ هذا المثل معناه هنا. من حركة في خدمة المصالح الاستعمارية تحولت الصهيونية فجأة إلى حركة تحرر للشعب اليهودي من العسف الاستعماري البريطاني، ورمزا لكفاح "الشعوب المحبة للحرية". في خضم حركة التحرر من الاستعمار كان بيع هذه الصورة عملية مربحة ومضمونة، وقرار التقسيم كان بمنطق الصهيونية مناقضا لمبدأ "حق الشعوب في تقرير مصيرها".

الاستعمار البريطاني وتسهيل الاستيلاء على فلسطين

"
الأكاديميون هم الأقرب من غيرهم لهذه الموارد التاريخية الجديدة فإن مهمتهم اليوم هي العمل الجاد لنقل التعاطف الجارف مع قضية فلسطين من مجرد حماس فياض لا يشك أحد في صدق منطلقاته، إلى قناعة علمية تؤكدها معطيات مؤكدة

"
ما تغفله الدعاية الصهيونية هو أنه منذ بداية الانتداب البريطاني على فلسطين في 1922، بل منذ سيطرة القوات البريطانية على هذا الجزء من الإمبراطورية العثمانية، وكل شيء مجير لخدمة الهدف القومي الصهيوني في بناء هياكل دولة المستقبل. بصفة شبه مستمرة كان المندوب السامي البريطاني صهيونيا صميما منخرطا بحماس قل نظيره من أجل تسهيل الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وتركيز أولى المؤسسات اليهودية. في مايو/ أيار 1947، عندما قرر البريطانيون مغادرة الأراضي الفلسطينية، وحدهم الصهيونيون كانوا على علم بذلك القرار.

كان كل شيء جاهزا لتكوين الدولة: مؤسسات مالية، إدارة شؤون السكان، قوات عسكرية حسنة التدريب والتسليح، مرجعية سياسية، وهياكل تمثيلية. أما من الجانب الآخر، فلم يكن هناك إلا الفراغ الذي حرص البريطانيون على دوامه منذ حلولهم بالبلاد.

جعل إيلان بابي Ilan Pappé من دراسة النكبة مجال اختصاصه الأهم، غير أنه خلافا للمؤرخين الجدد الآخرين، يسمي الأمور بأسمائها. لا يعتبر بابي نفسه صهيونيا، وقد انتمى إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي مدة من الزمن. يرى بابي أن ما حصل في 1948 كان عملية تطهير عرقي لا شك فيها أدارتها الفئة العليا في السياسة الإسرائيلية بقيادة ديفيد بن غوريون(2).

ينطلق بابي من ذلك لدراسة عمليات التهجير التي طالت الفلسطينيين وإجبارهم على الانتقال إلى الشتات، معتبرا أنه لا يقل أحقية تاريخيا من شتات اليهود. كان ذلك كافيا لإثارة الرأي العام الأكاديمي ولاحقا أجهزة الدعاية الصهيونية ضده. نشر بابي كتبا كثيرة حول الشتات الفلسطيني، وقد اعتبر أن من ينكره كواقع تاريخي ينبغي أن يعامل بالضبط كذلك الذي ينكر الشتات اليهودي. تميز بابي أيضا بدفاعه عن نتائج بحث أعده أحد طلبة قسم التاريخ بجامعة حيفا في سنة 2000 حول مجزرة لم تذكرها أية مصادر، قام بجمع المعطيات عنها من خلال الشهادات الشفوية، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع زملائه المؤرخين.

سرعان ما نقل بابي هذه القضية، التي أصبحت تعرف باسم "قضية تنتورة" (باسم القرية التي وقعت إبادتها في 1948 على يد القوات الصهيونية الخاصة) إلى قضية رأي عام شغلت الإسرائيليين وشكلت دافعا لمزيد الضغط عليه واعتباره عامل فتنة داخلية(3). أدت المضايقات التي تعرض إليها بابي والعزلة التي أصبح عليها داخل الجامعات الإسرائيلية (حتى بين المؤرخين الجدد الذين اعتبروا مواقفه شديدة التطرف) إلى دعوته إلى مقاطعة الجامعات الإسرائيلية ومغادرة إسرائيل للعمل أستاذا بجامعة إكستر Exeter البريطانية ومديرا للمركز الأوروبي للدراسات حول فلسطين.

تستدعي هذه الكتابات عناية أكثر من التي نمنحها إلى حد اليوم، وعدم الاكتفاء من "المعلوم من القضية بالضرورة". وإذا كان الأكاديميون هم الأقرب من غيرهم لهذه الموارد التاريخية الجديدة فإن مهمتهم اليوم هي العمل الجاد لنقل التعاطف الجارف مع قضية فلسطين من مجرد حماس فياض لا يشك أحد في صدق منطلقاته، إلى قناعة علمية تؤكدها معطيات مؤكدة. يقع جزء كبير من العمل اليوم على المؤرخين والمختصين في العلوم السياسية، غير أن ذلك لا يعفي الآخرين من مشاركتهم الأمر. تشكل تعرية الأساطير المؤسسة للمشروع الصهيوني اليوم أولوية يفترض أن تدفع بالجميع لترك الكسل، غير أن الهدف يبقى من وراء ذلك كله هو الانطلاق في عمل طويل المدى لاستعادة الثقة في القدرة على مواجهة الصهيونية ومشاريعها الراهنة والمستقبلية. ما نحتاجه اليوم هو تحقيق فهم علمي للصهيونية ومشروعها ودعايتها، وهو أمر لا يمكن أن يتم بأجوف الكلام أو بنقل الصراع من ساحته الأولى، كصراع من أجل الأرض والحرية والقيم الإنسانية، إلى صراع ديني أو عرقي.
 

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development