الاستيطان في غور الأردن.. وهاجس الفصل العنصري

 الجمعة 11 نيسان 2008 2:55 مساءً
شارك         

خالد وليد محمود

يبدي العديد من المراقبين تخوفاتهم لما تتعرض له منطقة الأغوار الشمالية والوسطى من إجراءات إسرائيلية تعسفية تهدف إلى عزل المنطقة من خلال تعزيز وتطوير الاستيطان في غور الاردن وشمال البحر الميت ،من جهتهم لم يستطع سكان منطقة الأغوار ومدينة أريحا والقرى المحيطة بها من إخفاء هواجسهم لما تتعرض له أراضيهم من حملة تهويد واستنزاف منظمة باتت تأخذ أشكالاً وأوجهاً جديدة تتمثل بقيام السلطات الإسرائيلية بإغلاق أجزاء واسعة من منطقة الأغوار، والتي تعتبر المنفذ الوحيد لسكان الضفة الغربية بالعبور إلى العالم من خلال التوجه إلى الأردن والعكس صحيح، وإقامة الحواجز الثابته والمتنقلة التي تمنع المواطنين الفلسطينين من سلوك الطرق المعتادة للوصول إلى مناطق الضفة الغربية لتمثل فصلاً جديداً من المعاناة التي تتفاقم وتزداد يومياً، إذ يستطيع المسافر من مناطق الضفة الغربية إلى الأردن أن يلمس معاناة المواطنين من خلال أحاديثهم خصوصاً أولئك الذين يقطنون مدينة أريحا والقرى المحاذية لها ،وما يزيد من خطورة الوضع في تلك المنطقة الاستراتيجية، ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخراً عن عزم الحكومة الإسرائيلية بناء جدار فصل عنصري شرقي في منطقة الأغوار على طول الحدود الفلسطينية الأردنية يصل طوله إلى نحو 900 كيلومتر، ما يعني ضم 10% الى 25% من مساحة الضفة الغربية.
هذا وجاءت التصريحات التي أدلى بها مدير جميعة الدراسات العربية مؤخرا حول موضوع مواصلة (إسرائيل) لبناء مستوطنات جديدة وتوسعة مستوطنات أخرى في غور الأردن رغم ما تعهدت به وما التزمت به (إسرائيل) مسبقا أمام المجتمع الدولي وأمام المنظمة الأممية لتثبت هذه الإجراءات أطماع (إسرائيل) وخططها الرامية إلى السيطرة على الأغوار الفلسطينية من خلال بناء مستوطنات جديدة فيها. إن هذه المخططات تعتبر قديمة، وكما هو معروف فإن مشروع (إسرائيل) يتمثل في الاستحواذ على منطقة الاغوار لقدرتها على توفير الغذاء الضروري للفلسطينين ... وتكون (إسرائيل) بذلك قد ضربت عصفورين بحجر واحد، فهي من جهة وجدت الطريقة لتوطين آلاف من المستوطنين القادمين الجدد في فلسطين، ومن جهة ثانية وجدت الحلول الملائمة لتجويع الفلسطينيين من خلال الاستحواذ على منابع الإنتاج خاصة في تلك الأغوار .
هذا وتشكل منطقة الأغوار سدس مساحة الضفة الغربية، والتي تعتبر من أخصب المناطق فيها، حيث جودة التربة واعتدال المناخ، كما أن 85%من أراضيها زراعية إضافة لموقعها الاستراتيجي وتماسها مع الأردن، وتحوي أهم خزانات مصادر المياه في فلسطين، الشيء الذي جعلها بؤرة اهتمام على مدى التاريخ القديم والحديث.
وفي الوقت الذي يتساءل فيه أهالى منطقة الأغوار عن ماهية وتوقيت وأهداف القرار الإسرائيلي القاضي بعزل اراضيهم وتعزيز الاستيطان فيها، باتت النتائج السلبية لهذا القرار تتجلى بشكل اوضح، سيما على الصعيد الاقتصادي ،فمحلات ومتاجر الضفة الغربية خاصة في مدن وقرى "جنين ،طوباس،رام الله،نابلس" تتزود باحتياجاتها من منطقة الغور خاصة فيما يتعلق بالمحاصيل الزراعية والخضروات.ومن خلال المعطيات يرى المراقبون أن ثمة حصار اقتصادي بدأت تفرضه (إسرائيل) على منطقة الغور، بدا ذلك واضحاً من خلال التذمر الذي يبديه أهالي منطقة الأغوار وأريحا من الإجراءات الإسرائيلية التي تفرض على مزارعي الاغوار سلوك طرق التفافية محفوفة بالمخاطر تحتاج لعدة ساعات؛الامر الذي كبدهم خسائر مادية فادحة، خاصة في ظل التدهور المستمر للاقتصاد الفلسطيني، وهذا ما ينعكس على القطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل رئيسي على الأغوار "سلة فلسطين الغذائية".
حديث المواطنين في منطقة الأغوار وما يحاذيها لا يخلو من الشعور بالخوف على مستقبلهم وهم يرون أراضيهم تجرف وتنهب وتصادر لصالح المستوطنات... في الأغوار وتيرة الاستيطان تجري على قدم وساق ابتداءً من وضع يد السلطات الإسرائيلية على الأراضي، وانتهاءً بالعمل الزراعي الاستيطاني الحثيث المتمثل بزراعة النخيل وإنشاء البرك الضخمة. يشار إلى أن (إسرائيل) عملت منذ احتلالها الضفة الغربية عام 1967 على السيطرة على المياه الجوفية واستغلال مياه الأودية الموسمية ومنع تطويروتجديد الآبار الجوفية. ويستحوذ المستوطنون في منطقة الأغوار على الكمية الأكبر من كميات المياه، كما قامت (إسرائيل) أيضا بهدم وتجفيف عشرات الآبار الارتوازية التي كانت تغذي المنطقة المحاذية لنهر الأردن، مما أدى إلى توقف عشرات المشاريع الزراعية وحرمان أصحابها من دخول أراضيهم التي تعتبرها (إسرائيل) مناطق عسكرية مغلقة.
على ما يبدو فإن (إسرائيل) لا تريد لغور الأردن أن يكون حلقة الوصل ما بين الدولة الفلسطينية والأردن وعليه فـ(إسرائيل) ترى وجوب وجود حاجز يمنع هذا التواصل، وهو ما طرح في مفاوضتي كامب ديفيد وطابا من خلال طرح استئجار الغور لفترة 15 سنة واحياناً طرح نشر قوات دولية. وحسب دراسة حديثة قام بها مركز القدس للسياسات العامة في (إسرائيل) ركزت على الحد الأدنى من المتطلبات الدفاعية اللازمة لـ(إسرائيل) من أجل أن تصبح قادرة على أن تدافع عن نفسها من وجهة نظر عسكرية بحتة, ودون أي اعتبار للعوامل الاقتصادية أو السكانية.
ومن هنا يتبين لنا في ضوء كل هذه الحقائق والخلفيات الكامنة وراء تعزيز الاستيطان في منطقة الأغوار أن المرحلة المقبلة ستكون أشد احتداماً وصراعاً ،وإذا ما تم تنفيذ الخطة الإسرائيلية القاضية ببناء جدار شرقي على طول غور الأردن، وإذا ما أضيف إلى هذا الجدار كتل الاستيطان الأساسية غربه وشرقه، فإن المشهد الذي  سيتجلى أمام الفلسطينيين هو واقع الفصل العنصري أو ما يسمى بـ Apartheid .
 

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development