أسبوع الاستخفاف والاستيطان

 الجمعة 11 نيسان 2008 2:38 مساءً
شارك         

المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية




خيري منصور

بضعة أيام فقط كانت المسافة الزمنية بين ما قرع من طبول في أنابولس والإعلان عن البدء في إنشاء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، كأن ما جرى من تسويق الإشاعات المتفائلة حول وقف الاستيطان هو مجرد أحلام يقظة، كي لا نقول إنه أضغاث أحلام، فالدولة التي تأسست على مفهوم الاستيطان وحولته إلى أيديولوجيا خير من عبر عنها وجسد فلسفتها في هذا السياق هو الجنرال باراك، عندما قال في إحدى مقابلاته مع "الجيروزاليم بوست" إن خلع كتفه أسهل عليه من خلع مسمار واحد في مستوطنة، وأغرب ما في الأمر أن الوضوح الشديد الذي تتسم به الممارسات الصهيونية في فلسطين يقابله إصرار على عدم الفهم، أو التعامي لأن فائض الهشاشة يدفع الإنسان أحياناً إلى الكذب على نفسه، بحيث يعدها بأن تستحم في السراب ولا تشرب منه فقط.
تزامن مع الإعلان عن استئناف الاستيطان في الضفة الغربية استشهاد فلسطينيين بمعدل يتراوح بين الأربعة والسبعة يومياً.
ولم تتوقف البنادق الصهيونية عن اصطياد الناشطين الفلسطينيين وكذلك الأبرياء الذين يعيشون كسائر خلق الله حتى خلال المؤتمر، أما الذرائع التقليدية لهذه الإبادة التي تتم بالتقسيط بانتظار المناسبة التي تصبح فيها بالجملة فهي لم تعد قادرة على إقناع أكثر الناس سذاجة، لكن المنطق كله مؤجل، والقوة هي القانون والقاضي هو الغريم، أما شهود النفي والإثبات فهم في سبات حقوقي لا تلوح له نهاية في هذا الشتاء.
ولا ندري على أية أسس أو تصورات يبني المتحمسون لأنابولس توقعاتهم؟ ما دامت القرائن والحيثيات كلها تجزم بأن استراتيجية الدولة العبرية في كسب الوقت لم تتبدل، بل تضاعفت في هذه الآونة، لأنها أصبحت تلعب بمفردها، وأحياناً تحاور نفسها، فما من تفاوض حقيقي يتحول إلى مونولوج بين الغالب ونفسه.
إن المؤتمرات التي تولد ميتة لا حاجة للناس في الكشف عنها أو التأكد من توقفها عن النبض، فالرائحة وحدها تكفي، وكل المفاوضات التي انتهت إلى تكريس اللاءات الصهيونية الثلاث أكدت أن الميت قد تعفن وتحلل ولا حاجة حتى إلى دفنه.
والمسألة ليست في هذا السجال العقيم بين من يرون نصف الزجاجة ممتلئاً بالدم الفلسطيني أو فارغاً منه، لأن الوقائع والأرقام والمشاهد المتلفزة تغني عن أي كلام.
أما بلاغة الضحية وهي تبرئ جلادها لعله يبقي لها يداً أو ساقاً أو ذيلاً، فهي من ثقافة طالما افتضحها التاريخ وهو يكشط الطلاء الكاذب والضماد السطحي الذي يخفي الجراح أكثر مما يعالجها.
المزيد من الاستيطان، والمزيد من تهويد القدس، والمزيد أيضاً من الاستخفاف بالعرب والعالم، هذا هو الإفراز المبكر لمؤتمر انابولس أما القطفة الحمراء الأولى فقد حصدها الفلسطينيون الذين يتصاعد حصارهم وتجويعهم بهدف التطويع والتركيع.
وإن المرء ليعجب كيف يمكن لإنسان أن يتلقى كل هذا اللدغ من الجُحر ذاته ولا يتلقح ضد الغواية أو التضليل؟
لقد أبطل الواقع مفعول جرعات التخدير التي تقدم للفلسطينيين بشكل متصاعد أما من حذرونا من رفع سقف الآمال والتوقعات فقد كذبوا كالعرافين حتى لو صدقوا، لأن مثل تلك الموعظة لم تكن حسنة على الإطلاق.. بل هي تبرئة استباقية للذات من كل ما يجري من أحداث ودم.
*
 

 


Designed and Developed by

Xenotic Web Development